يكشف تاريخ الدور المصري في القضية الفلسطينية نمطًا ثابتًا من السياسات امتد لعقود، إذ سعت القاهرة إلى الاحتفاظ بنفوذها في الملف الفلسطيني مع تجنب تحمّل أعبائه السياسية والأمنية والاقتصادية. ويعرض الكاتب كيف تعاملت الحكومات المصرية المتعاقبة مع قطاع غزة، وصولًا إلى العلاقة الحالية مع إسرائيل، التي تجمع بين التنسيق الأمني الوثيق والخطاب السياسي الداعم للفلسطينيين.

 

ويشير تقرير نشره موقع أوول إسرائيل نيوز إلى أن السياسة المصرية، منذ حرب عام 1948 وحتى اليوم، اتسمت بالموازنة بين الحفاظ على مكانتها الإقليمية وإدارة العلاقة مع إسرائيل بما يخدم أمنها القومي، مع تجنب دمج قطاع غزة أو تحمّل مسؤولية سكانه، وهو ما انعكس على مواقف القاهرة في مختلف مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

إدارة غزة دون ضمها.. نفوذ مصري بلا مسؤولية

 

بعد حرب عام 1948، خضعت غزة للإدارة المصرية لمدة تسعة عشر عامًا، لكن القاهرة لم تضم القطاع إلى أراضيها، ولم تمنح سكانه الجنسية المصرية، خلافًا لما فعلته الأردن في الضفة الغربية. ويعتبر الكاتب أن هذا الموقف عكس رغبة مصر في الاحتفاظ بتأثيرها في القضية الفلسطينية دون الارتباط بمسؤولياتها المباشرة.

 

ويضيف أن التنافس بين مصر والأردن بدأ منذ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، إذ سعت المملكة الأردنية إلى ضم المناطق العربية من فلسطين، بينما فضلت القاهرة قيام كيان فلسطيني منفصل يحد من النفوذ الهاشمي. ولهذا فرضت الإدارة المصرية حكمًا عسكريًا صارمًا على غزة، ومنعت الحياة الحزبية وقيّدت حرية التعبير والتنقل، كما أبقت اقتصاد القطاع معزولًا عن الاقتصاد المصري.

 

ويرى الكاتب أن "حكومة عموم فلسطين" التي أعلنتها مصر لم تمتلك سلطة حقيقية، إذ انتقلت سريعًا إلى القاهرة، وخضعت لرقابة مصرية مشددة، قبل أن تحل الحكومة نهائيًا عام 1959.

 

من عبد الناصر إلى السادات.. القضية الفلسطينية بين القيادة العربية والتقارب مع إسرائيل

 

بعد وصول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الحكم عام 1952، رفع شعار القومية العربية وقدم نفسه قائدًا للقضية الفلسطينية، لكن الكاتب يرى أن سياساته العملية هدفت إلى إبقاء القرار الفلسطيني تحت المظلة المصرية.

 

ولهذا دفعت القاهرة عام 1964 نحو إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد الشقيري، أحد المقربين من عبد الناصر، بهدف احتواء الفصائل الفلسطينية المستقلة، وعلى رأسها حركة فتح بقيادة ياسر عرفات.

 

ويشير الكاتب إلى أن الميثاق الأول للمنظمة لم يطالب باستعادة الضفة الغربية أو قطاع غزة، لأن الضفة كانت تحت الإدارة الأردنية، بينما خضعت غزة للإدارة المصرية، بل ركز على مواجهة إسرائيل فقط.

 

لكن هزيمة عام 1967 غيّرت المشهد بالكامل، بعدما سيطرت إسرائيل على قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والضفة الغربية. ويعتبر الكاتب أن هذه الحرب منحت الحركة الوطنية الفلسطينية مساحة أكبر للاستقلال عن الوصاية المصرية والأردنية، حتى نجح ياسر عرفات في السيطرة على منظمة التحرير عام 1969 وإبعاد الشخصيات الموالية للقاهرة.

 

ومع تولي الرئيس أنور السادات الحكم، اتجهت مصر نحو السلام مع إسرائيل، ووقعت اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، التي استعادت القاهرة بموجبها شبه جزيرة سيناء دون قطاع غزة. ويرى الكاتب أن هذا القرار لم يكن مصادفة، بل جاء نتيجة رغبة مصر في استعادة سيناء وقناة السويس مع تجنب العودة لإدارة قطاع مزدحم باللاجئين والفصائل المسلحة، بينما بررت القاهرة موقفها بضرورة ارتباط غزة مستقبلًا بالضفة الغربية ضمن أي تسوية فلسطينية.

 

التنسيق مع إسرائيل والخطاب الإعلامي.. السياسة المصرية في عهد السيسي

 

يرى الكاتب أن السياسة المصرية الحالية تمثل امتدادًا للنهج التاريخي نفسه، خاصة بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، إذ تعتبر القاهرة الحركة امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها السلطة المصرية تهديدًا مباشرًا للأمن القومي.

 

ويؤكد أن العلاقة بين مصر وإسرائيل تقوم على مسارين متوازيين؛ أولهما خطاب سياسي وإعلامي ينتقد إسرائيل ويعلن دعم الحقوق الفلسطينية أمام الرأي العام العربي، وثانيهما تعاون أمني واسع وتنسيق مباشر مع الجيش الإسرائيلي في الملفات الحدودية والأمنية.

 

ويضيف الكاتب أن القاهرة تواصل إحكام السيطرة على معبر رفح والحدود مع قطاع غزة، وترفض استقبال أعداد كبيرة من النازحين الفلسطينيين، معلنة أن هدفها منع تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. لكنه يرى أن الدافع الأهم يتمثل في تجنب انتقال مئات الآلاف من اللاجئين إلى سيناء، وما قد يصاحب ذلك من أعباء اقتصادية ومخاطر أمنية واحتمال تسلل عناصر مسلحة.

 

ويذهب الكاتب إلى أن الوساطات المصرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية غالبًا ما تراعي المصالح الأمنية الإسرائيلية أكثر من تقديم دور محايد، معتبرًا أن القاهرة تحافظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل لضمان استقرار حدودها وتحقيق مصالحها الإستراتيجية، بينما يقتصر دعمها للقضية الفلسطينية في كثير من الأحيان على التصريحات والمواقف الإعلامية، دون اتخاذ خطوات قد تفرض عليها أعباء سياسية أو أمنية مباشرة.

 

ويخلص الكاتب إلى أن السياسة المصرية، منذ عهد الملك فاروق مرورًا بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك ووصولًا إلى عبد الفتاح السيسي، حافظت على هدف واحد يتمثل في الاحتفاظ بدور مؤثر في القضية الفلسطينية، مع تجنب تحمل مسؤولية قطاع غزة أو الانخراط في ترتيبات قد تهدد الاستقرار الداخلي، وهو ما جعل القاهرة تجمع بين التقارب العملي مع إسرائيل وإظهار التأييد للقضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي والإعلامي.

 

allisraelnews.com/edu/egypts-historical-and-contemporary-role-in-the-israeli-palestinian-conflict